أحمد بن علي القلقشندي
294
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
فقلت : « أجفل عن جنابك الخير وأجلى » « أضرطا وأنت الأعلى » ( 1 ) ؟ ، ثم تضاحكت إليه لمّا شاهدت استعباره ، وأويت له إذ رأيت استكثاره الخطب واستكباره ، وقلت : من ضاف الأسد قراه أظفاره ، ومن حرك الدّهر أراه اقتداره ؛ وعدلت إلى الذّلول الشّامس ، المستأسد المستأنس ، ومددت يدي إليه فانقاد لها طائعا ، وخضع لإجابة دعوتي سامعا . فلمّا حازه في القبضة الإسار ، وبطل الإقلال من ذلك اللَّفظ والإكثار - وقد كان أعزّ من الأبلق العقوق ، وأبعد من بيض الأنوق - استجليت صورته متأمّلا ، إذ لم يبق له سوى قبضتي موئلا ، فرأيت هامة فحمة ، وجثّة ضخمة ، وشدقا أهرتا ( 2 ) رحبا ، ذا مرّة على اختلاف الحوادث صعبا ، وأنيابا محدّدة عصلا كالنّصال ، وطرفا مخالسا غير غرّ بالمكر والختال ، كأنّه شهاب يتوقّد ، أو شعلة نار لم تخمد ، وسامعتين تتوجّسان ما دار في الأوهام ، وتدركان ما يناجي به المرء نفسه ولو في الأحلام ؛ قد نيطت بعنق صغرت هامته بالنسبة إليه ، إن استدبرته قلت : هو مشرف عليها أو استقبلته قلت : هي مشرفة عليه ، يشتمل على نحر خصيب ، وصدر رحيب ، فيه نزعتا بياض كهلالين قرنا في نسق ، أو نجمي ذؤابة ظهرا في غسق ، تسرّ نفس الناظر إليها ، ويعقد خنصر الاختيار في حسن الشّيات عليها ، اتّصل ذلك بمنكب عتيد ، وساعد شديد ، وبرثن شثن ( 3 ) ومخلب حديد : ذوات أشاف ركَّبت في أكفّها نوافذ في صمّ الصّخور نواشب معقّفة التّرهيف عوج كأنّها تعقرب أصداغ الحسان الكواعب قد جاور جؤجؤا ( 4 ) نهدا ، وقابل كاهلا ممتدّا ؛ يكاد خصره ينعقد
--> ( 1 ) يضرب للرجل يجتمع له أسباب الغلبة والقهر ، وهو مغلوب مقهور . والمثل لسليك بن سلكة التميمي . ( جمهرة الأمثال : 1 / 130 ) . ( 2 ) شدق أهرت : واسع . ( 3 ) الشّثن : الغليظ الخشن . ( 4 ) الجؤجؤ : مجتمع رؤوس عظام الصدر .